المقالات والتحليلات

المرأة في التشريع العُماني… حقوق مصونة ومكانة راسخة

نشر في 17|10|2026 7 قراءة
المرأة في التشريع العُماني… حقوق مصونة ومكانة راسخة
تظهر قيمة التشريع في قدرته على الاقتراب من حياة الإنسان، وفهم احتياجاته، وحماية كرامته في تفاصيل يومه. وفي التشريعات العُمانية، تحضر المرأة بشخصيتها المستقلة، ودورها الأسري، ومشاركتها المهنية والمجتمعية، وتجد هذه المكانة ترجمتها في أحكام تحفظ حقوقها، وتراعي أمومتها، وتوفر لها ضمانات تعينها على أداء أدوارها في بيئة يسودها الاحترام والاستقرار.

وفي يوم المرأة العُمانية، تتجدد مناسبة التأمل في هذه العناية التشريعية، وإبراز ما تتضمنه من معان تتصل بحياة المرأة وأسرتها وعملها. فالمعرفة بالحقوق تمنح النص القانوني أثره العملي، وتساعد على بناء علاقات أسرية ومهنية أكثر وعيا بالالتزامات، واحتراما للكرامة، وقدرة على تجنب النزاع.

وقد وضع النظام الأساسي للدولة أساسا لهذه الحماية؛ إذ أكدت المادة (١٥) أن العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة، ونصت على كفالة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، إلى جانب العناية بتماسك الأسرة واستقرارها. ومن هذا الأساس تتكامل الحماية العامة للحقوق مع أحكام خاصة تراعي احتياجات المرأة وظروفها، وتمنحها ضمانات محددة في مجالات متعددة.

وتتجلى هذه العناية في قانون الأحوال الشخصية، الذي أقر في المادة (٣٧) حقوقا مالية ومعنوية للزوجة، تشمل الاحتفاظ باسمها العائلي، وعدم التعرض لأموالها الخاصة وحرية التصرف فيها، وعدم الإضرار بها ماديا أو معنويا، وزيارة أبويها ومحارمها واستزارتهم بالمعروف. وتحمل هذه الأحكام دلالة واضحة على احترام شخصية المرأة واستقلال ذمتها المالية وصلاتها الأسرية؛ فالزواج يرتب حقوقا والتزامات، مع بقاء مال المرأة الخاص مصونا، واسمها العائلي محفوظا، وكرامتها واجبة الاحترام.

وفي جانب الاستقرار المعيشي، أوجبت المادة (٤٩) نفقة الزوجة على زوجها من حين العقد الصحيح ولو كانت موسرة، وألزمت المادة (٥٦) الزوج بتهيئة مسكن ملائم لزوجته يتناسب وحالتيهما. كما أجازت المادة (٥١) للقاضي، بناء على طلب الزوجة، تقرير نفقة مؤقتة لها، وجعلت القرار مشمولا بالنفاذ المعجل بقوة القانون. وتبرز هنا عناية المشرّع بالحاجة اليومية للمرأة؛ فالطعام والسكن ومتطلبات المعيشة أمور تستدعي حماية عملية تستجيب للحاجة أثناء نظر النزاع.

أما في بيئة العمل، فقد التفت المشرّع إلى ما قد تواجهه المرأة بسبب الحمل أو الولادة أو الرضاعة، وعدّت المادة (١٢) من قانون العمل إنهاء عقد العمل لأي من هذه الأسباب فصلا تعسفيا. وتؤكد هذه الحماية أن الأمومة تستحق المراعاة في العلاقة المهنية، وأن ممارستها لا تصلح بذاتها سببا لإنهاء عمل المرأة. وهي ضمانة لها أثرها في طمأنينة العاملة واستقرارها، وفي ترسيخ مسؤولية صاحب العمل تجاهها.

وجاءت إجازة الوضع امتدادا لهذه الرعاية؛ فمنحت المادة (٨٤) من قانون العمل العاملة إجازة وضع بأجر شامل لمدة ثمانية وتسعين يوما، تغطي فترة ما قبل الولادة وبعدها. ويكون منح الجزء السابق للولادة بتوصية من الجهة الطبية المختصة، بما لا يتجاوز أربعة عشر يوما، وتمنح المدة المتبقية من تاريخ الولادة، مع تقديم ما يثبت الاستحقاق. وتتيح هذه الإجازة للأم وقتا للتعافي ورعاية مولودها، مع المحافظة على أجرها وفق أحكام القانون.

وتمتد مراعاة الأمومة إلى مرحلة العودة للعمل؛ إذ منحت المادة (٧٦) العاملة المرضعة ساعة يوميا لرعاية طفلها، تبدأ بعد انتهاء إجازة الوضع لمدة عام واحد، وتترك لها تحديد هذه الساعة، وتحسبها ضمن ساعات العمل الفعلية. وتكشف هذه التفاصيل عن اهتمام بالصلة اليومية بين الأم وطفلها، وبالتوفيق بين الرعاية الأسرية ومتطلبات العمل.

كما شملت العناية التشريعية المكان الذي تعمل فيه المرأة؛ فأوجبت المادة (٦٠) من قانون العمل على صاحب العمل توفير مكان مخصص لاستراحتها في مقر المنشأة التي يزيد فيها عدد العاملات على خمس وعشرين عاملة. وفي السياق ذاته، شجعت المادة (٣٠) من قانون الطفل إنشاء دور للحضانة في الجهات الحكومية والقطاع الخاص التي ترى الوزارة أن عدد الموظفات أو العاملات فيها يقتضي وجودها، مع تقديم الإعانات التي تساعد على تحقيق أهدافها. وهي أحكام تعكس إدراك أهمية البيئة المساندة للمرأة العاملة.

وفي المجال الصحي، أوجبت المادة (١٥) من قانون الطفل على أجهزة الدولة المختصة اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتقديم الرعاية الصحية المناسبة للأمهات قبل الولادة وبعدها. وبذلك تتصل حماية الأمومة بالرعاية الوقائية والعلاجية، إلى جانب الإجازات والضمانات المهنية، في عناية تتناول جوانب متكاملة من حياة الأم.

وتضع هذه النصوص أمام الأسرة وجهات العمل والمؤسسات المعنية مسؤولية ترجمتها إلى ممارسة يومية. فاحترام مال المرأة، والوفاء بحقوقها الأسرية، ومراعاة أمومتها، وتوفير بيئة عمل مناسبة لها، صور عملية للالتزام بالقانون. وتزداد فاعلية هذه الحماية حين تعرف المرأة حقوقها، ويدرك المحيطون بها واجباتهم، وتتاح لها سبل المطالبة والحماية عند الحاجة.

ومن هنا، تحرص شبكة عُمان القانونية على تقريب هذه الأحكام إلى المجتمع، وتقديمها بلغة واضحة تعين على فهمها والعمل بها. فالاحتفاء بالمرأة العُمانية يجد امتداده في وعي يحفظ حقها، وممارسة تحترم مكانتها، ومسؤولية مشتركة تساند عطائها. وكل حق يصان في حياتها يترك أثره في استقرار أسرتها، وثقتها بعملها، وقدرتها على المشاركة في بناء وطنها.

الملفات المرفقة