المقالات والتحليلات

من «الادعاء العام» إلى «النيابة العامة»

نشر في 14|09|2026 39 قراءة
من «الادعاء العام» إلى «النيابة العامة»
قراءة في دلالة المسمى ومسيرة تطور الدعوى العمومية في سلطنة عُمان


لم يكن صدور المراسيم السلطانية بتاريخ 13|09|2026 مجرد استبدال لفظ بآخر في مسمى إحدى مؤسسات العدالة، بل مثّل محطة جديدة في مسيرة تطور منظومة العدالة الجزائية في سلطنة عُمان، وانتقالا بالمسمى المؤسسي من «الادعاء العام» إلى «النيابة العامة»، مع ما يحمله هذا الانتقال من دلالات لغوية وقانونية ومؤسسية.

فقد صدر المرسوم السلطاني رقم (79|2026) بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي للدولة، ليحل مسمى «النيابة العامة» محل مسمى «الادعاء العام» أينما ورد في النظام الأساسي للدولة. ثم صدر المرسوم السلطاني رقم (80|2026) بتعديل مسمى الادعاء العام، فنص صراحة على تعديل مسماه إلى «النيابة العامة»، واستبدال عبارة «النائب العام» بعبارة «المدعي العام»، إلى جانب تعديل سائر المسميات الوظيفية لأعضائه. واكتملت هذه المنظومة التشريعية بصدور المرسوم السلطاني رقم (81|2026) بتعيين سعادة نصر بن خميس بن محمد الصواعي نائبا عاما. نصوص المراسيم السلطانية أرقام (79 و80 و81)|2026⁠

وهذه المراسيم، وإن اتصل ظاهرها بالمسمى، فإنها تستدعي قراءة أوسع لمسيرة هذه المؤسسة القضائية، وللفارق بين اصطلاحي «الادعاء العام» و«النيابة العامة»، ومدى انعكاس تغيير الاسم على الاختصاصات والمركز القانوني والدور الذي تؤديه في حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات.

جذور الوظيفة قبل إنشاء الادعاء العام

عرف النظام الجزائي العُماني وظيفة الاتهام العام قبل إنشاء هيئة مستقلة تحمل مسمى «الادعاء العام». ففي المراحل الأولى من بناء مؤسسات الدولة الحديثة، كانت شرطة عُمان السلطانية تتولى، إلى جانب أعمال التحري وجمع الاستدلالات، بعض الصلاحيات المتصلة بتحريك الدعوى الجزائية وتمثيل الاتهام أمام المحاكم، وذلك من خلال الإدارة العامة للادعاء العام الجزائي.

وكان هذا التنظيم متسقا مع طبيعة المرحلة التي كانت تمر بها الدولة آنذاك؛ إذ كانت المؤسسات القانونية والقضائية في طور التكوين، وكانت الحاجة تقتضي إيجاد تنظيم عملي يجمع بين الكشف عن الجريمة وضبط مرتكبيها ومباشرة إجراءات الاتهام أمام القضاء.

غير أن تطور الدولة واتساع نطاق التجريم وتزايد القضايا وتنامي الحاجة إلى الفصل المؤسسي بين سلطة جمع الاستدلالات وسلطة التحقيق والاتهام؛ كلها عوامل مهّدت لإنشاء هيئة قضائية متخصصة تتولى الدعوى العمومية باسم المجتمع.

فالشرطة تضطلع أساسا باكتشاف الجرائم وجمع الاستدلالات وضبط مرتكبيها، أما الجهة القائمة على الدعوى العمومية فتتولى تقدير الأدلة، والتحقيق في الوقائع، وتحديد الوصف القانوني الصحيح لها، واتخاذ القرار بشأن إحالة المتهم إلى المحكمة أو حفظ التحقيق، ثم تمثيل المجتمع أمام القضاء. ومن هنا برزت ضرورة التمييز بين المرحلتين، بما يعزز الحياد ويضمن سلامة الإجراءات.

سنة 1999: الميلاد المؤسسي للادعاء العام

شكّل عام 1999 نقطة التحول الأبرز في تاريخ القضاء العُماني الحديث؛ إذ صدرت في ذلك العام منظومة متكاملة من التشريعات القضائية، من بينها قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (90|99)، وقانون محكمة القضاء الإداري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (91|99)، ثم المرسوم السلطاني رقم (92|99) بإنشاء الادعاء العام وإصدار قانونه، إلى جانب قانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (97|99).

وقد نص المرسوم السلطاني رقم (92|99) على إنشاء هيئة مستقلة تسمى «الادعاء العام»، وعلى إلغاء الإدارة العامة للادعاء العام الجزائي من الهيكل التنظيمي لشرطة عُمان السلطانية، ونقل العاملين بها إلى الهيئة الجديدة، وانتقال اختصاصاتها وموجوداتها إليها. وبذلك خرجت وظيفة الاتهام العام من الإطار الشرطي إلى إطار قضائي مستقل ذي تنظيم قانوني خاص. المرسوم السلطاني رقم (92|99) بإنشاء الادعاء العام وإصدار قانونه⁠

ومع أن المرسوم نص عند صدوره على تبعية الهيئة للمفتش العام للشرطة والجمارك إلى حين تأهيل الكوادر اللازمة لممارسة صلاحياتها، فإن هذه التبعية كانت ذات طبيعة انتقالية فرضتها مقتضيات التأسيس، ولم تنتقص من الطبيعة القضائية للاختصاصات التي أسندها القانون إلى الهيئة.

وقد منح القانون الادعاء العام الاختصاص الأصيل برفع الدعوى العمومية ومباشرتها، وجعل أعضاءه من رجال السلطة القضائية، وأقام تنظيمه على مبدأ وحدة الهيئة وعدم قابليتها للتجزئة، بحيث يقوم أي عضو من أعضائها مقام الآخرين في مباشرة الإجراءات، ما لم يكن القانون قد خص المدعي العام أو نائبه أو مساعده باختصاص معين.

ولم يعد دور الجهة القائمة على الدعوى العمومية مقتصرا على تمثيل الاتهام أمام المحكمة، بل أصبح يشمل مباشرة التحقيق الابتدائي، والتصرف فيه، وإصدار الأوامر والقرارات التي أجازها القانون، والإشراف على مأموري الضبط القضائي في نطاق أعمال الضبط القضائي، ومتابعة تنفيذ الأحكام الجزائية، وتفقد السجون والأماكن المخصصة لتنفيذ التدابير، وغير ذلك من الاختصاصات المرتبطة بحماية الشرعية وسيادة القانون.

وهكذا لم يكن إنشاء الادعاء العام مجرد إعادة تنظيم إداري، وإنما كان انتقالا جوهريا في بنية العدالة الجزائية، أفضى إلى الفصل بين سلطة الضبط والاستدلال من جهة، وسلطة التحقيق والاتهام من جهة أخرى.

سنة 2011: اكتمال الاستقلال الإداري والمالي

جاءت المرحلة الثانية من تطور المؤسسة بصدور المرسوم السلطاني رقم (25|2011) بشأن استقلال الادعاء العام، الذي قرر استقلاله إداريا وماليا.

وكان لهذا التطور أثر مهم في ترسيخ المركز المؤسسي للادعاء العام، وإزالة ما تبقى من الارتباط الإداري بالجهة الشرطية، ليباشر اختصاصاته بوصفه جزءا من السلطة القضائية، لا يخضع أعضاؤه في أعمالهم القضائية إلا للقانون وللتسلسل القضائي المنظم داخل الهيئة.

ولا يعني استقلال الادعاء العام انفصاله عن بقية مؤسسات الدولة أو انقطاع التنسيق بينها؛ فالعدالة الجزائية بطبيعتها تقوم على تكامل أدوار الشرطة والادعاء العام والمحاكم والجهات المنفذة للأحكام. وإنما يعني الاستقلال أن يكون القرار المتصل بالتحقيق والاتهام والتصرف في الدعوى قائما على تقدير قضائي محايد، بعيدا عن أي تأثير لا يستند إلى القانون.

ومن ثم كان استقلال الادعاء العام ضمانة للمجتمع والمتهم والمجني عليه في آن واحد؛ لأنه يضمن أن يكون تحريك الدعوى مبنيا على أدلة معتبرة، وأن يكون قرار الحفظ أو الإحالة نتاجا لتقدير قانوني، وأن تمارس سلطة التحقيق في إطار الضمانات المقررة للحرية الشخصية وحقوق الدفاع وقرينة البراءة.

سنة 2022: الادعاء العام في الهيكل العام للقضاء

دخلت منظومة القضاء العُماني مرحلة جديدة بصدور المرسوم السلطاني رقم (35|2022) بشأن تنظيم إدارة شؤون القضاء، الذي أنشأ المجلس الأعلى للقضاء برئاسة جلالة السلطان، ومنحه الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وأقر الهيكل العام الموحد للقضاء.

وبموجب هذا التنظيم آلت إلى المجلس الأعلى للقضاء المخصصات والأصول والحقوق والالتزامات والموجودات الخاصة بكل من مجلس الشؤون الإدارية للقضاء ومحكمة القضاء الإداري والادعاء العام، كما أصبح المدعي العام عضوا في المجلس الأعلى للقضاء، وأسند إلى المجلس العمل على ضمان حسن سير العمل في المحاكم والادعاء العام وتطويره.

ومثّل هذا التنظيم انتقالا من استقلال كل مرفق قضائي في إدارة شؤونه على نحو منفرد، إلى انتظام الجهات القضائية ضمن إطار مؤسسي جامع، مع بقاء الخصوصية الوظيفية لكل منها. فالادعاء العام لم يندمج في المحاكم، كما أن المحاكم لم تتول وظيفة الاتهام، وإنما اجتمعت مكونات السلطة القضائية تحت مظلة مجلس واحد يضع السياسة العامة للقضاء ويعمل على تطوير مرافقه وضمان حسن سيرها.

وحافظ المرسوم في الوقت ذاته على قدر من الاستقلال التنظيمي للادعاء العام؛ إذ خول المدعي العام ممارسة الاختصاصات الإدارية المتعلقة بتنظيم العمل داخله، وإصدار القرارات اللازمة في هذا الشأن، في إطار الأحكام التي تضمنها المرسوم. المرسوم السلطاني رقم (35|2022) بشأن تنظيم إدارة شؤون القضاء⁠

سنة 2026: من الادعاء العام إلى النيابة العامة

جاءت المراسيم السلطانية الصادرة بتاريخ 13|09|2026 لتفتتح مرحلة جديدة في تاريخ المؤسسة؛ إذ انتقلت من مسمى «الادعاء العام» إلى مسمى «النيابة العامة».

وقد عالج المشرع هذا الانتقال على ثلاثة مستويات مترابطة:

أولها المستوى الدستوري، من خلال تعديل النظام الأساسي للدولة وإحلال عبارة «النيابة العامة» محل عبارة «الادعاء العام»، وهو ما يؤكد أن التغيير لم يقتصر على المكاتبات أو الهوية البصرية، بل امتد إلى أعلى وثيقة قانونية في الدولة.

وثانيها المستوى التشريعي العام، من خلال المرسوم السلطاني رقم (80|2026)، الذي قضى باستبدال مسمى «النيابة العامة» بمسمى «الادعاء العام» أينما ورد في القوانين والمراسيم السلطانية، إلى جانب استبدال مسمى «النائب العام» بمسمى «المدعي العام».

وثالثها المستوى الوظيفي، حيث استبدلت المسميات الوظيفية القديمة بمسميات جديدة؛ فأصبح «نائب المدعي العام» هو «النائب العام المساعد»، و«مساعدو المدعي العام» هم «مساعدو النائب العام»، و«رؤساء الادعاء العام» هم «رؤساء نيابة عامة»، و«وكلاء الادعاء العام» هم «وكلاء نيابة عامة»، و«معاونو الادعاء العام» هم «معاونو نيابة عامة».

ثم جاء المرسوم السلطاني رقم (81|2026) بتعيين سعادة نصر بن خميس بن محمد الصواعي نائبا عاما، ليكون أول من يحمل مسمى «النائب العام» في ظل التنظيم الجديد، بعد أن كان رئيس الهيئة يحمل طوال المرحلة السابقة مسمى «المدعي العام».

ما الفرق بين «الادعاء العام» و«النيابة العامة»؟

من الناحية الوظيفية، يشير المصطلحان إلى المؤسسة القضائية التي تمثل المجتمع في الدعوى الجزائية، وتتولى التحقيق والاتهام وتحريك الدعوى العمومية ومباشرتها أمام المحاكم، فضلا عن الاختصاصات الأخرى التي يقررها القانون.

وعليه، لا يتعلق الاختلاف في جوهره بنوعين مختلفين من المؤسسات، بل بطريقتين في التعبير عن الصفة التي تباشر بها المؤسسة وظيفتها.

فمصطلح «الادعاء العام» ينظر إلى المؤسسة من زاوية العمل الذي تقوم به؛ فهي التي تقيم الدعوى العمومية وتباشر الاتهام نيابة عن المجتمع. وكلمة «الادعاء» هنا لا تحمل معناها المتداول الذي قد يفهم منه مجرد الزعم أو القول الذي لم يقم عليه دليل، وإنما تستعمل بمعناها القانوني الدقيق، أي طلب تطبيق القانون على واقعة جنائية محددة، بناء على ما أسفر عنه التحقيق من أدلة.

أما مصطلح «النيابة العامة» فينظر إلى المؤسسة من زاوية الصفة التي تتحرك بها؛ فهي تنوب عن المجتمع في حماية مصالحه وصيانة أمنه والدفاع عن النظام العام، وتباشر باسمه الدعوى العمومية. فالنيابة هنا مشتقة من الإنابة، أي قيام شخص أو جهة مقام غيرها في أداء وظيفة أو مباشرة اختصاص.

وبعبارة موجزة: «الادعاء العام» يصف الفعل الذي تمارسه المؤسسة، في حين أن «النيابة العامة» تصف الصفة التي تمارس بها ذلك الفعل.

ويبدو مسمى «النيابة العامة» أوسع دلالة؛ لأنه لا يحصر صورة المؤسسة في توجيه الاتهام أو المطالبة بالعقاب، بل يعبر عن نيابتها عن المجتمع في تحقيق العدالة، سواء انتهى التحقيق إلى إحالة المتهم إلى المحكمة، أم إلى حفظ التحقيق لعدم كفاية الأدلة، أم إلى استبعاد شبهة الجريمة، أم إلى اتخاذ أي إجراء يضمن حسن تطبيق القانون.

فالنيابة العامة ليست خصما يسعى إلى الإدانة بأي ثمن، ولا تقف في الدعوى الجزائية موقف الخصم الشخصي للمتهم؛ وإنما هي خصم عادل يمثل المجتمع، ويبحث عن الحقيقة، ويتعين عليه أن يوازن بين الأدلة القائمة ضد المتهم والأدلة التي تصب في مصلحته. فإذا تبين لها انتفاء الجريمة أو عدم صحة نسبتها إلى المتهم، كان من واجبها أن تتخذ القرار الذي يوافق القانون، ولو كان مؤداه الحفظ أو طلب البراءة.

ومن هذه الزاوية، يبرز مسمى «النيابة العامة» الطبيعة الموضوعية لدورها؛ فهي لا تنوب عن المجني عليه وحده، ولا عن جهة الضبط، ولا عن سلطة الاتهام بمعناها الضيق، وإنما تنوب عن المجتمع بأسره، والمتهم ذاته أحد أفراد هذا المجتمع، ومن مصلحته ألا يدان بريء وألا يفلت مذنب من المساءلة.

هل تغيرت اختصاصات المؤسسة بتغيير المسمى؟

الجواب، في حدود النصوص الصادرة، أن التغيير الوارد في المرسوم السلطاني رقم (80|2026) هو تغيير في المسمى، وليس إنشاء لمؤسسة جديدة أو إعادة تحديد لاختصاصاتها الموضوعية.

فالمرسوم لم يلغ قانون الادعاء العام الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (92|99)، ولم يصدر قانونا جديدا يعيد تنظيم إجراءات التحقيق والاتهام، وإنما قرر تعديل المسمى وإحلال العبارات والمسميات الجديدة محل القديمة أينما وردت في القوانين والمراسيم السلطانية.

ومؤدى ذلك أن جميع الاختصاصات والصلاحيات والقواعد والضمانات التي كانت مقررة للادعاء العام وأعضائه تستمر، من حيث الأصل، للنيابة العامة وأعضائها، ولكن تحت المسميات الجديدة. كما تستمر الإجراءات والقرارات والأعمال السابقة منتجة لآثارها القانونية، ما دام المرسوم لم ينص على خلاف ذلك.

وعليه، فإن القضايا التي باشرتها جهة الادعاء العام لا تحتاج إلى إعادة تحريكها تحت المسمى الجديد، كما لا تتأثر بصحة الإجراءات التي اتخذت قبل نفاذ المرسوم، لأن الشخصية القانونية والوظيفة القضائية للمؤسسة لم تنقطعا؛ وإنما استمرتا باسم جديد.

ويشمل الاستبدال التشريعي جميع المواضع التي وردت فيها العبارات القديمة في القوانين والمراسيم السلطانية؛ فإذا ورد اختصاص للمدعي العام في تشريع قائم، أصبح الاختصاص منعقدا للنائب العام بحكم الاستبدال الذي قرره المرسوم. وإذا أسند القانون إجراء إلى أحد أعضاء الادعاء العام، أصبح المقصود عضو النيابة العامة بالدرجة المقابلة، دون حاجة إلى تعديل كل تشريع على حدة.

لماذا احتاج تغيير المسمى إلى تعديل النظام الأساسي للدولة؟

ورد مسمى «الادعاء العام» في النظام الأساسي للدولة باعتباره جزءا من السلطة القضائية، ومن ثم لم يكن من الممكن الاكتفاء بقرار إداري أو تعديل لائحي لتغيير الاسم.

فالنصوص الأدنى مرتبة لا يجوز أن تخالف النظام الأساسي للدولة، ولا يجوز تعديل مسمى ورد فيه بأداة تشريعية تقل عنه درجة. ولهذا سبق المرسوم السلطاني رقم (79|2026) بتعديل النظام الأساسي للدولة المرسوم رقم (80|2026) الذي عمم المسمى الجديد في القوانين والمراسيم السلطانية.

ويعكس هذا الترتيب دقة البناء التشريعي؛ إذ بدأ التغيير من القاعدة الدستورية العليا، ثم انتقل إلى مستوى القوانين والمراسيم، ثم تجسد عمليا في تعيين رئيس المؤسسة بالمسمى الجديد.

كما يؤكد إدراج مسمى النيابة العامة في النظام الأساسي للدولة ثبات موقعها داخل السلطة القضائية، وأن انتقالها إلى المسمى الجديد لا يغير من طبيعتها القضائية ولا من الضمانات المقررة لأعضائها.

الدلالات القانونية والمؤسسية للمسمى الجديد

يحمل الانتقال إلى مسمى «النيابة العامة» جملة من الدلالات المهمة.

أولا، أنه يبرز فكرة تمثيل المجتمع؛ فالدعوى الجزائية ليست ملكا للمجني عليه ولا لجهة الضبط، وإنما هي دعوى عمومية تباشرها النيابة العامة نيابة عن المجتمع تحقيقا للمصلحة العامة.

ثانيا، أنه يوضح شمول وظيفة المؤسسة؛ لأن دورها لا يقتصر على الادعاء أمام المحكمة، بل يمتد إلى التحقيق والتصرف في الدعوى والإشراف على أعمال الضبط القضائي وتنفيذ الأحكام وحماية الضمانات القانونية للأطراف.

ثالثا، أنه ينسجم مع المصطلح الأكثر شيوعا في عدد كبير من الأنظمة القانونية العربية، وهو ما يسهل التعاون القضائي وتبادل الطلبات والمساعدات القانونية وفهم المقابلات الوظيفية بين الدول، ولا سيما في مجالات تسليم المتهمين، والإنابات القضائية، واسترداد الأموال، ومكافحة الجرائم المنظمة والعابرة للحدود.

رابعا، أنه يعزز الفهم المجتمعي الصحيح لوظيفة المؤسسة؛ فعبارة «النيابة العامة» تقرب إلى الذهن أنها تمثل المجتمع بأكمله، ولا تتبنى موقف طرف خاص في الخصومة الجزائية.

خامسا، أن التغيير جاء في سياق مسيرة متدرجة من التطوير المؤسسي: بدأت بفصل وظيفة الاتهام عن الشرطة، ثم باستقلال الجهة القائمة عليها إداريا وماليا، ثم بإدراجها ضمن الهيكل العام للقضاء تحت مظلة المجلس الأعلى للقضاء، وأخيرا بتحديث مسماها الدستوري والتشريعي.

النيابة العامة والبحث عن الحقيقة

من أهم المعاني التي ينبغي تأكيدها عند الحديث عن المسمى الجديد أن النيابة العامة ليست مجرد «سلطة اتهام»، وإنما هي جهة قضائية تتولى إدارة المرحلة السابقة على المحاكمة وتعمل على كشف الحقيقة في إطار القانون.

وهي حين تحقق في الجريمة لا تبحث فقط عن الأدلة التي تثبت الاتهام، بل يتعين عليها كذلك أن تتحقق من الأدلة التي تنفيه، وأن تستمع إلى دفاع المتهم، وأن تزن الوقائع بموضوعية، وأن تراقب مشروعية الإجراءات. كما أن سلطتها في إصدار بعض الأوامر المقيدة للحرية ليست سلطة مطلقة، بل تحكمها الشروط والضمانات والمدد التي يقررها القانون، وتخضع في الحالات المنصوص عليها للرقابة القضائية.

وهذا هو الفارق بين منطق الانتقام ومنطق العدالة؛ فالغاية ليست الوصول إلى الإدانة، وإنما الوصول إلى الحقيقة القانونية من خلال إجراءات مشروعة. وقد تنتهي العدالة إلى إحالة المتهم ومحاكمته، وقد تنتهي إلى حفظ التحقيق، وفي الحالتين تكون النيابة العامة قد أدت رسالتها متى كان قرارها مؤسسا على القانون والأدلة.

كما تضطلع النيابة العامة بحماية المجني عليهم والشهود، ومراعاة الفئات الأولى بالرعاية، وصون كرامة الأشخاص، والحيلولة دون تحول الإجراءات الجزائية ذاتها إلى مصدر لإهدار الحقوق. وكل ذلك يجعل وصفها بأنها «خصم عادل» أقرب إلى حقيقة دورها من اختزالها في صورة جهة تسعى إلى توقيع العقاب.

بين استمرارية المؤسسة وتجدد هويتها

لقد احتفظت المؤسسة، طوال مراحل تطورها، بوظيفتها الأساسية المتمثلة في حماية الشرعية الجزائية وتمثيل المجتمع، إلا أن إطارها المؤسسي ظل يتطور بما يتناسب مع تطور الدولة ومنظومتها القضائية.

ففي المرحلة الأولى كانت وظيفة الاتهام تمارس ضمن الجهاز الشرطي، ثم أصبحت منذ عام 1999 هيئة مستقلة تحت مسمى «الادعاء العام»، ثم اكتمل استقلالها الإداري والمالي في عام 2011، ثم انتظمت في عام 2022 ضمن الهيكل العام للقضاء والمجلس الأعلى للقضاء، وأخيرا انتقلت في عام 2026 إلى مسمى «النيابة العامة».

وبذلك فإن المسمى الجديد لا يقطع صلة المؤسسة بتاريخها، ولا يلغي الإرث الذي راكمته تحت اسم الادعاء العام، بل يبني عليه ويمنحه هوية اصطلاحية جديدة. فجميع الأعمال والخبرات والأحكام والمبادئ والممارسات المؤسسية التي تكونت خلال أكثر من ربع قرن تظل جزءا من تاريخ النيابة العامة العُمانية.

وسيظل تاريخ 21|11|1999 تاريخ الإنشاء المؤسسي للجهة القائمة على الدعوى العمومية، بينما يشكل تاريخ 13|09|2026 تاريخ انتقالها إلى مسمى «النيابة العامة». فالحديث ليس عن ميلاد مؤسسة منفصلة، وإنما عن مرحلة جديدة في حياة مؤسسة قضائية عريقة.

خاتمة

إن الانتقال من «الادعاء العام» إلى «النيابة العامة» يتجاوز حدود التغيير الشكلي في الاسم، لما يحمله المسمى الجديد من تعبير أوضح عن حقيقة الوظيفة القضائية التي تمارسها المؤسسة نيابة عن المجتمع.

ومع ذلك، ينبغي ألا يحمل التغيير بأكثر مما ورد في النصوص؛ فهو لا يعني تبدل الاختصاصات أو تغير المركز الدستوري أو إنشاء جهاز جديد، وإنما يعني استمرار المؤسسة ذاتها تحت مسمى جديد، مع إحلال المسميات الوظيفية الجديدة محل القديمة في سائر القوانين والمراسيم السلطانية.

لقد قطعت هذه المؤسسة مسيرة متدرجة بدأت داخل شرطة عُمان السلطانية، ثم انتقلت إلى هيئة مستقلة، واكتمل استقلالها الإداري والمالي، ثم أصبحت أحد المكونات الأساسية للهيكل العام للقضاء، إلى أن حملت اسم «النيابة العامة»؛ الاسم الذي يعبر عن مباشرتها الدعوى العمومية نيابة عن المجتمع، وعن رسالتها في حماية الشرعية، وصون الحقوق والحريات، وملاحقة الجريمة، وضمان ألا تقام الدعوى إلا على أساس من القانون والدليل.

فالأسماء، وإن كانت لا تغير وحدها جوهر المؤسسات، فإنها قد تكون أكثر قدرة على التعبير عن رسالتها. ومسمى «النيابة العامة» يجسد المعنى الأوسع لهذه الرسالة: أن تقف باسم المجتمع، لا طلبا للإدانة في ذاتها، وإنما طلبا للعدالة؛ تدافع عن حق المجتمع في الأمن، وعن حق المجني عليه في الإنصاف، وعن حق المتهم في محاكمة عادلة، وتظل في جميع أحوالها أمينة على القانون والحقيقة